ارتفاع تكاليف المعيشة يفتح ملف الأجور في ليبيا

تتجه ليبيا إلى رفع الحد الأدنى للأجور بنحو 67%، ليصل إلى 234 دولاراً شهرياً، مقارنة بنحو 141 دولاراً حالياً، في خطوة تأتي بعد موجة من الاحتجاجات والإضرابات المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية وزيادة الرواتب.
ويفتح التوجه الجديد الباب أمام تساؤلات بشأن قدرة المالية العامة على تحمل كلفة الزيادة، ومدى انعكاسها الفعلي على القوة الشرائية للمواطنين، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الدينار الليبي.
ويتضمن جدول الرواتب الموحد، الذي كشف تفاصيله رئيس اللجنة المالية بمجلس الدولة الليبي مرعي رحيل، سقفاً أعلى للأجور يبلغ 2500 دولار شهرياً، بما يعادل نحو 16 ألف دينار ليبي، إلى جانب مقترحات لمنح علاوات تميّز تصل إلى 30% للمعلمين الذين يباشرون التدريس، وقد تبلغ 50% في بعض القطاعات.
لكن الكلفة الإجمالية للجدول المقترح وموعد تطبيقه لم يتحددا بعد، فيما لا تزال مقترحات العلاوات بحاجة إلى استكمال الإجراءات اللازمة قبل اعتمادها بصورة نهائية.
الإضرابات تعيد ملف الرواتب إلى الواجهة
تأتي هذه التحركات في أعقاب تصاعد الاحتجاجات النقابية في ليبيا، ولا سيما في قطاع التعليم، إذ نفذ المعلمون إضرابات للمطالبة بتحسين الرواتب وتسوية الفروقات المالية وتوفير ظروف عمل أفضل.
وامتدت المطالب إلى قطاعات حكومية أخرى، دعت إلى مراجعة الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، في ظل اتساع الفجوة بين دخول الموظفين والأسعار.
ورغم إعلان الحكومة اعتماد جدول موحد للمرتبات، استمرت الانتقادات بشأن مدى كفاية الرواتب المقترحة لتغطية الاحتياجات الأساسية. كما أثار إلغاء جداول الرواتب الخاصة السابقة تساؤلات بشأن مصير الامتيازات التي كانت تتمتع بها بعض القطاعات.
وفي إطار معالجة هذه الملفات، تشكلت لجنة مشتركة بين مجلسي النواب والدولة لتطوير مقترحات جداول الرواتب، فيما أعلنت وزارة المالية تشكيل لجنة لإعداد مقترح بشأن علاوات التميّز، وحددت لها مهلة شهر لإنجاز أعمالها وتقديم تقريرها النهائي.
علاوات إضافية وأسئلة بشأن آلية التطبيق
يتضمن الجدول المقترح مستويات مختلفة للأجور وفق الدرجات الوظيفية، مع بحث منح علاوات إضافية للوظائف التي تتطلب طبيعة عمل خاصة أو ترتبط بمسؤوليات مهنية محددة.
ولا تزال آلية احتساب هذه العلاوات من المسائل المطروحة للنقاش، بما في ذلك ما إذا كانت ستُضاف إلى الراتب الأساسي أم إلى إجمالي المرتب، وهو ما سيؤثر في قيمة الزيادة الفعلية التي يحصل عليها الموظفون.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة في ظل حجم الإنفاق الحكومي على المرتبات، الذي يشكل أحد أبرز بنود الموازنة العامة الليبية. وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح بين 2.25 مليون و2.5 مليون موظف، ما يعني أن أي تعديل شامل للأجور قد يرتب التزامات مالية كبيرة على الدولة.
الإيرادات النفطية تحدد قدرة ليبيا على تمويل الزيادة
يعتمد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية لتمويل الإنفاق العام، ما يجعل استدامة أي زيادة في الرواتب مرتبطة بانتظام الإيرادات وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية.
وفي ظل تقلب العائدات النفطية وتزايد الاحتياجات التمويلية، تبرز تساؤلات بشأن الكلفة الإجمالية لجدول الرواتب الجديد، ومصادر تمويله، خصوصاً إذا شملت الزيادات والعلاوات مختلف الجهات الممولة من الخزانة العامة.
وبذلك، لا يقتصر التحدي أمام السلطات الليبية على إقرار زيادة الحد الأدنى للأجور، بل يمتد إلى ضمان تنفيذها بصورة مستدامة، بما يحسن دخل الموظفين من دون زيادة الضغوط على الموازنة، وبما يتيح أن تنعكس الزيادة فعلياً على القدرة الشرائية في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة.




